تنوع شعرية الأداء الغنائي (1)

تنوُّع شِعريَّة الأداء الغِنائيِّ في أربع تجارب شِعريَّةٍ تفعيليَّةٍ جديدةٍ (1)

شريف رزق

لقد شهد الخطاب الشِّعريُّ، منذ طلائع القرن الماضي، تحوُّلات عديدة، لم تحدثْ على مدار القرون السَّابقة مجتمعةً، وقد شملتْ هذه التَّحوُّلات خروجات شتَّى على شكل القصيدة العربيَّة الموروثِ، وظهرت عدَّةُ أشكالٍ شعريَّةٍ؛ منها الشِّعرُ المُرسَل، وشعر التَّفعيلة، وقصيدة الشِّعر الحُرِّ  Free verseوهيَ القصيدة المُتحرِّرة من الأوزان العَروضيَّة ومكتوبة في شكل سطور شعريَّة متفاوتة الأطوال، وشكل قصيدة النَّثر Prose Poem وهيَ القصيدة المُتحرِّرة من الأوزان ومكتوبة في دفقةٍ شعريَّةٍ مُمتدة السُّطور وغالبًا ما تكون سرديَّة حِكائيَّة، كذلك ظهرت تيَّارات شعريَّة عديدة، داخل هذه الأشكال، وإذا كان المشهدُ الشِّعريُّ الرَّاهن يكشف عن تكريس شكل القصيد النَّثريِّ، وآلياته الشِّعريَّة الخاصَّة، فإن الأشكال الشِّعريَّة الأخرى لم تزلْ موجودةً، وفاعلةً، فتقدُّم شكل على شكل لا يعني فناءه على يديه ونهايته الحضاريَّة، والمُتأمِّل في المشهد الشِّعريِّ، سيلحظ تنوُّعاته الإبداعيَّة، وسيلحظ تجاور وتداخل الأشكال الشِّعريَّة في حالات كثيرة، بأشكال مختلفة.

وداخل الشكل الواحد ستبدو تنوُّعات مختلفة؛ ناتجة عن استخدامات آليَّاتٍ مختلفة في بناء الخطاب الشِّعريِّ، وهو ما سنرصدُه في أربع تجارب شعريَّة، تنتمي إلى دائرة شعر التَّفعيلة، ويبدو لديها، بشكل واضح، حرصٌ على تجلِّي الغنائيَّة.

والغنائيَّة خصيصةٌ شعريَّةٌ، ارتبط بها الخطابُ الشِّعريُّ عبْرَ تاريخه الطَّويل، وتحوُّلاته المختلفة ؛ فصوت الغناء الفرديِّ، المنولوجيِّ، الذَّاتيِّ، موجودٌ في شتَّى الشِّعريَّات والمراحل، كما أنَّ ثمَّة ارتباطًا بين الغنائيَّة كنزوعٍ ذاتيٍّ وجدانيٍّ فرديٍّ، والغناءِ بقيمه الصَّوتيَّة المُتعدِّدة، ويبدو هذا في الشِّعريَّة اليونانيَّة منذ هوميروس؛ الذي كانَ يُغنِّي شِعْرَهُ على أدَاةٍ مُوسِيقِيَّةٍ خَاصَّةٍ، كما يبدو كذَلكَ عِنْدَ الغَربيِّينَ الحدِيثينَ؛ فَقَدْ كانَتْ تُوجَدُ في العُصورِ الوسْطَى جماعَاتٌ تُؤلِّفُ الشِّعرَ وَتُغنِّيهِ، وَهِيَ المعروفَةُ باسْمِ تروبادور troubadour، وفي الشِّعر الجاهليِّ كان المُهلهل بن ربيعة والأعشى وعنترة وغيرُهم يتغنُّون بأشعارِهم.

والتَّجاربُ الشِّعريَّة الأربعةُ التي سنرصدُ تشكُّلاتها الغنائيَّة هنا، هيَ تجربة أحمد عايد في ديوانه: “وقت أحمد عايد”، وعبد الرَّحمن مقلد في ديوانه: “مساكين يعملون في البحر”، وحسن عامر في ديوانه: “أكتب بالدَّم الأسود”، محمد إسماعيل في ديوانه: “ألواح الرِّيح والرَّمل”، والدَّواوين الأربعة مخطوطةٌ.

في ديوان أحمد عابد: “وقت أحمد عابد” تبدو الغنائيَّة على نحوٍ واضحٍ، على مدارِ تجربة الدِّيوان، ويبدو الشَّاعر مشغولاً بالغنائيَّةِ والغناءِ معًا، وتشيعُ في أدائِهِ الشِّعريِّ علاقاتُ التَّقديم والتَّأخير، والبناء الاستعاريّ، وتوهُّج حركة الإيقاع، ويبدو هذا في قوله:

“في مثل هذا الوقت/كنتُ

وكنتُ مَن سُرَّتْ به الدنيا

و كنتُ سحابةً تهمي بأمر الله

تهتزُّ الحياة/ كأنَّ هذا الوقت

أوَّل خفقةٍ في عالم الأحياءْ

وكأنّني أَرَّختُ للدُّنيا ابتداء الكون

كانتْ تطلقُ الآهات ملء قصيدةٍ موجوعةٍ

لكنَّها فرحانةٌ

ولدٌ يكون…

وكان فوق مراتب الشُّعراءْ
ولدٌ يُغنّي…

طائران على بروج ضلوعِهِ

وقصيدةٌ غيبيّةٌ مخبوءةٌ في سدرة الأشياء

كان على سماء الشِّعر أوَّل قائمٍ

قد فضَّ نهج بلاغة الأسماءْ

في مثل هذا الوقت

من عشرين عامًا

بل تزيد… تزيد أكثر

     كنتُ…”

ومنها قوله أيضًا:

” في اللَّيل: أحمل شمعةً، وأدور أبحث عن “أنا”

عن شاعرٍ ترك الحياة إلى الحياة،

وسار مثل قصيدةٍ بيضاءَ… مثل خياله

عن عاشقٍ متزوِّجٍ من ظلِّهِ

ويخون هذا الظلَِّ في عين الضُّحى

عن نحلةٍ

سقطتْ على كفِّي هنالك فجأةً

عن صاحبٍ

ودَّعْتُهُ واللَّيل يَرْقُبُنَا هُنا

في اللَّيل: أحمل شمعةً، وأدور أبحث عن..”

وينقسم الدِّيوانُ إلى وحداتٍ شعرية ثلاث، هيَ على التَّرتيب: وقت – ليلاً- صباحًا. وكلّ وحدة تتضمَّن مجموعةً من النُّصوص الشِّعريَّة، أغلبُها من شعر التَّفعيلة، ذي النُّزوع إلى التَّشكيلات اللغويَّة والمجازيَّة؛ التي عرفتها الشِّعريَّة العربيَّة على نحوٍ كثيفٍ في تجربةِ أدونيسَ، ومحمَّد عفيفي مطر، ثم مجموعة كبيرة من شعراء السبعينيَّات، ومن تلاهم، وتبدو مفردة الوقت بشكل كثيفٍ لدى أدونيس؛ بلْ لقد جعلها ثُريَّا لأحد كتبه، وأعني كتاب: “ها أنت أيُّها الوقت”.

يشتغل أحمد عابد على هذا الدَّال:(الوقت) كثيرًا في ديوانه، وثمَّة اشغالٌ واضحٌ بتأويل أشكال الوقت، كما في قوله:

” الوقتُ كالجبل الثَّقيل

على الذي يدري

بأنَّ الخوف مخبوءٌ وراء الوقت

إنَّ الوقت يحمل مِعولاً،

ويُحطِّمُ الأحلام

لا يرنو إلى شيءٍ

ولاشيءٌ يُرقِّقُ قلبَهُ

يا وقتُ،

أنت هزمتني وقتلتني

وجعلتَ في كبدي جحيمًا أحمرًا

يا وقتُ،

قاسٍ أنت فوق تحمُّلي.

يا وقتُ،

لا تُبطئْ وأنتَ تمرُّ بي

كُنْ كالنسيم إذا سرى

واتركْ على روحي عبيرًا شاحبًا

من ذكريات القادمين غدًا…

يا وقتُ،

كم بيني وبينك من هوًى ورؤًى

يا وقتُ،

أمهلني قليلاً؛ كي أَلُمَّ مواجعي

كي أشنق الأحزان في كفي

سأصرخ فجأةً:

          “لا نبضَ فيَّ!”

وتبدو في هذا الخطابِ سمةٌ حداثيَّةٌ أخرى شاعتْ مع موجةِ شعراءِ الحداثةِ، وهيَ التَّكثيف الاستعاري، والجنوح إلى التَّجريد والمُطلق والميتافيزيقيِّ، واكتشاف العالم والذَّات في تشكُّلاتِ اللغة، وعلى الرَّغم من هيمنةِ شعريَّة النَّصِّ الشِّعريِّ التَّفعيليِّ، فإنَّ بعض المقاطع جاءتْ في شكل النَّصِّ الشِّعريِّ النَّثريِّ، في أداءٍ لغويٍّ  يجنحُ إلى البساطةِ والتَّخفُّف من التَّشكُّلات اللغويَّة في شعريَّة التَّفعيلة، كما في قوله:

في هذا الصَّباح:

تُغرِّد العصافير كعادتها. لكنَّ شيئًا جوهريًّا كان ينقص هذا التغريدَ. إنَّهُ صوتُها الصَّبَاحيُّ المشوب بنبراتِ استيقاظها نشيطةً لا لشيءٍ سوى أنَّا معًا، ولازلنا نحبُّنا.

غيابُها هذا يجعل تغريد العصافير كأنَّهُ ليس موجودًا. أو كأنَّ عصافيرَ خرساءَ تحاول أن تُغرِّد.

في هذا الصَّباح:

رُغمَ أنَّا في أوائل شهر سبتمبر، إِلاّ أنَّ ديسمبر يستبد بي ويطرد عنِّي حرارة شمس الصباح، فأحضانُها وقبلاتُها الصَّبَاحيَّةُ غائبةٌ.

في هذا الصَّباح:

أفكِّر ماذا لو كان غيري يحتلُّ أماكن ذكرياتي عندها؟

في هذا الصَّباح:

أستعدُّ لوجع تذكُّر تفاصيل أيّامنا الحميمة الخالية، فأبدأ قائلاً:

“في مثل هذا الصَّبَاح… كنتُ أنام بحضنها… إلخ”

موضوعات متعلقة:

تنوع شعرية الأداء الغنائي (2)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img