جدلية الذات والعالم ..قراءة ثقافية (1)

د.هويدا صالح
إن العلاقة بين الخاص والعام، الداخل والخارج، الذاتي والموضوعي، الذات الشاعرة والذات الجمعية من أهم الإشكاليات التي تواجه الشاعر وهو يكتب نصه الشعري، وحتى وهو يحتشد من أجل الكتابة.
ويهدف الدرس النقدي إلى الكشف عن مدى تفاعل ما هو خاص وما هو عام في إنتاجية النص الشعري، وإسهام كل منهما في تشكيل هويته الشعرية، ومن ثم الوقوف على الترددات المجتمعية في نص مع المحافظة على الاشتراطات الجمالية له.
يسعى الشاعر من خلال تمثلات ذاته الشاعرة في النص الشعري إلى أن يعرض لرؤيته للعالم، وعلاقته بالوجود، فهي تمثل جوهر التجربة الشعرية؛ ليقيم نوعا من الحوار الأعمق بين ذاته والآخر الذي هو ما خارج الذات.
كما يسعى الشاعر عبر تجربته الشعرية إلى أن يقيم حوارا مع ذاته الأعمق مع الذات الجمعية، في تجلياتها، في التاريخ الجمعي لها، في التاريخ الاجتماعي لها، مع الحرص على كتابة سيرة الإنسان في الزمان والمكان الذي توجد فيه هذه الذات الجمعية.
يكتب الشاعر نصه وهو يعي العلاقة الجدلية بين الذات والعالم أو الواقع، فالنص الشعري لا يبدأ في العزلة أو الفراغ، بل في نطاق من العلاقات، فهنا الشاعر وهناك الواقع أو العالم بتعارض مفرداته وتعقد علاقاته.
وقد تأتي الذات عند شاعر ما ذات جمعية فاعلة وحاضرة، تتوحد بالعالم وتتفاعل معه وعبر هذه الذات الجمعية المتجذرة داخل النص يستعرض حياته وتاريخه الشخصي كحالة كلية داخل نص جامع كان له السبق في تقديمه.
وحينما نكشف عن طبيعة العلاقة بين الذات المفردة والذات الجمعية إنما تكون قد أسهمنا في الكشف عن طبيعة التجربة الشعرية لدى الشاعر، ليس بوصفها تجربة ذاتية محض، بل بوصفها تجربة تمثل اندماج كلي بالعالم، لا تجربة وصف لعالم. كما أنها تتجلى كذلك كتجربة فعل في العالم لا تجربة انفعال به؛ مما يؤدي إلى تغيير هذا العالم، ويكشف عن وجود فعلي للذات داخل هذا العالم.
إن التجربة الشعرية القادرة على تغيير العالم إنما تقيم علاقة جدلية مفتوحة مع هذا العالم؛ مما يضعه في صيرورة التحول والتغير عبر الفضاء النصي. ومن ثم يمكن للمتلقي أن يتلمس ذاته هو من خلال الذات الشاعرة التي تمكنت من إقامة علاقة جدلية معه.
وينبغى الإشارة إلى أن الذات الشاعرة لا تعنى الشاعر صاحب النص بالأساس، بل هى ذات مجازية لها تجلياتها المختلفة، فالذات هى البطل الذى يتحرك داخل النص الشعرى فى كل مرة تتم فيها قراءة القصيدة، ومن ثم فهى تتغير حسب تغير المتلقى، ودرجة وعيه الثقافى والمعرفى، طبقًا لتغير الزمان والمكان، وأحوال التلقى كافة.
ومن يتأمل بروية التجارب الشعرية الشبابية موضع الدراسة في دواوينها المخطوطة يمكن أن يضع يده على تيارين يمثلان تجلي الذات في هذه التجارب، التيار الأول تمثله ذات شعرية منفتحة على العالم الواقعي أو التاريخي، أما التيار الثاني تمثله ذات شاعرة منفصمة عن العالم الواقعي أو التاريخي، وقد تناولنا في إطار التيار الأول ديوان”لن أنسى طريقي إلى البيت” و ديوان”انطلاق النور” و ديوان” بائعة الفطير”.
بينما التيار الثاني يمثله ديوان” روضة شاهين” و ديوان””أعتاب العودة” و ديوان”يوسف عابد”.
في المجموعة الأولى التي تمثل التيار الأول رأينا أن هؤلاء الشعراء وعوا أهمية البنية الجدلية مع العالم التي تطرح أسئلة الذات تمثلاتها الفردية والجمعية، بينما انحصرت مجموعة الدواوين التي تمثل التيار الثاني في بنية مغلقة على عالم الذات الشخصي دون أن يقيموا جدلا مع العالم.
في ديوان”أنسى طريقي إلى البيت” منذ البدء يقيم الشاعر جدلا مع العالم، محاولا مساءلة هذا العالم وطرح قضية كبرى هي قضية الوطن وسؤال ” المواطنة” ففي قصيدة”أغنيةُ الانكسارِ الأخيرة” لا يتحدث الشاعر بصوته المفرد، بل يتحدث بالصوت الجمعي للمجتمع، إنها ذات تؤمن بقضية كلية كبرى، تبحث عن لحظة انتصار بعد أن ضاقت البلاد على ساكنيها، إنه البحث عن الوجود، لكنه ليس وجودا مفردا، بل وجود منتمٍ يسعى إلى البحث عن الوطن المفقود تحت ذل الانكسار، وللانكسار تجليات عديدة، يقول الشاعر:”

الآنَ لا تبقى بلادٌ لي
وتنكسرُ الطريقُ على خطايَ
وأنتِ أنتِ جميلةٌ وكثيرةٌ
لا شكَّ
لكنَّ البلادَ بلادَنا
تقسو علينا”

إن الذات هنا يعلن حزنه ورفضه لتخلي الوطن عنه، فرغم قسوة البلاد إلا أنه يبحث عنها، فــ “البلاد بلادنا”.
رغم يقين الذات أن البلاد بلادها إلا أنها تتساءل في ألم ووجع:”

كمْ منْ مرةٍ سنموتُ
منفيينَ خارجَ حقلِها الممتدِّ
منْ كفِّ العقيدِ إلى العقيدِ؟!”.

إن الشاعر ما يزال مهموما بقضية الوطن، فرغم كل ما حاول أن يفعله من أجل أن يستنهض روحه الضائعة في تلافيف الانكسارات والهزائم إلا أنه لم يفلح في أن يستنهض روح الوطن، فالانكسارات قزمته حد أن صار منكمشا كفأر مذعور، فتكشف الذات الشاعرة عن فجيعتها في انكماش الوطن، حيث يقول الشاعر:”

والآنَ تنكمشُ البلادُ
كأنّها فأرٌ صغيرٌ خائفٌ
ويمرُ فلاحونَ
بالأرضِ الملغمةِ الفقيرةِ
ينشدونَ نشيَدها الدامي
ولا يتفوهونَ بما يضيرُ بها
ولكنَّ القنابلَ تحتَ أرجلِهمْ
بلا قلبٍ
يحبونَ البلادَ
ويكرهونَ الحربَ
مثلي مثلَهُمْ
يتبادلونَ شرابَهمْ وطعامَهمْ
ويقسمونَ حصادَهمْ
في آخرِ الأيامِ
أطنانًا
منْ الآلامِ والقتلى”

لم يكتف الشاعر عبر صوت الذات الشاعرة من أن يعلن هزيمة الوطن وانكماشه، لكنه يسرد تجليات ذلك الانكسار، تفاصيله الموجعة، وأسباب هزائمه:”

وتنكسرُ المنازلُ
تحتَ غاراتِ العدوِّ
ويقصفُ الطيرانُ
آلافًا منَ الأهدافِ:
آلهةً وعشاقًا
وأشجاراً وأمواتًا
وأحفاداً لأمواتٍ قدامى
خائفينَ منَ الزمانِ الصعبِ”.

تهيمن سردية الحرب على الديوان، وتلح على الشاعر، حتى أنه يرصد آثارها المدمرة في تفاصيل رصده لقضية البلاد وما تعانيه، في أكثر من نص ثمة تجليات لسردية الحرب:”

البندقيةَ تطغى
وتكسرنُا مرتينِ
إذا ما انتبهنا
لسربِ طيورٍ
يغني لنا لحظتينِ
ويرحلُ في عمقِ آلامِهِ
تاركًا صرخةً في الهواءِ
تعري فخاخَ الطيورِ
وقناصةً
بين أشجارنِا العاليةْ!
والبلادُ؟
البلادُ هي الطلقةُ الثانيةْ!”.

ولأن الذات الشاعرة مشغولة بالأسئلة الكبرى وبسرديات الحرب والقضايا الكلية، فإنها تشعر بالاغتراب عن الذات اللصيقة بها، عن ذاتها العميقة، عن الذات/ الداخل في مقابل الشعور بالتحقق في مقاربة الواقع/ العالم، أي كل ما هو خارج الذات. إن الشاعر في قصيدة” ينامُ مكاني غريبٌ” يغترب عن ذاته العميقة، حتى كأنها كائن آخر غريب، يحتلها دون إرادة منها، يقول الشاعر:”

ينامُ مكاني غريبٌ
ويقرأُ أسرارَ ليلي
يعششُ في جسدي كالعناكبِ
يمشي على خطوتي كالعقاربِ
يقفزُ مثلَ الأرانبِ
إذْ تتكاثرُ في لغتي!
ربما كانني مرةً
ثمّ صارَ هو المسخَ
أو صرتُ حينَ انكسرتُ
كسربِ طيورٍ
بقاياهُ
في جسدٍ ليسَ لي!
ربما كانَ غيري
فصرتُ سوايَ
وصارَ أنا”.

في حين أن الشاعر في ديوان”طريق النور” لا يساءل الوطن، بل يساءل الوجود كله، يبحث عن فلسفة الوجود، عن الكون الأكبر، عن معاناة الإنسان في المطلق، فلم ينفه وطن مثل الذات الشاعرة في “أنسى طريقي إلى البيت” بل هو منفي من الإنسانية في عمومها، لذا يساءل المعنى الوجودي للإنسان في قصيدة” قميص نبي” نجده يقيم من ذاته الشاعرة مقام الأنبياء، ويبدأ في طرح أسئلة الإنسانية، يقول:

” أنَا قَادِمٌ،
والهُدْهُدُ المخلوقُ مِن رُوحي..سأطْلِقُهُ،
إلى هَذَا الوُجُودِ،
كدَمْعَةٍ،
مِنْ عَينِ سُنْبَلة،
نَفَتْهَا الرِّيحُ عَن حَقلِ الوُعُودِ،
وإنَّهُ مِنْ شَاعِرٍ،
يا أهْلُ!
: لا قَمَرٌ سَينْشَقُّ احْتِفالًا بانتِصاراتِ الشُّعوبِ،
ولا السَّماءُ تَزِفُّ مائِدةً،
لجَوعى السّلْمِ،
مِنْ تُفَّاحَةِ الحَرْبِ الخَطِيّة”.

إنه قادم من أجل تحرير الإنسانية، فحلمه أكبر من حلم الوطن الضيق، إنه يحلم من أجل الكون كله، لكن هل هو مسيح جديد يُصلب من أجل إنقاذ هذا العالم:”

بَل لَا مَسِيحٌ سَوفُ يَخْرُجُ من بَرَاءٍ،
كَي يَسيرَ عَلى بُحيراتِ الرُؤى
إلّا الَّذي كاَنَتْ خُطاهُ الأبَجَديَّةْ
لَوْ لَاَح لـي شَجَرٌ مضيء،
لاقْتَبَستُ النَّارَ،
أشْعَلْتُ النُّبوءةَ في مَنَاراتِ السَّماءِ الـمُظلِمَةْ”.

إن الذات الشاعرة في النص تجعل الشاعر مركز العالم، فحينما يمتلك القدرة على قول الشعر يمتلك ساعتها العالم، يتحول إلى نبي، إلى مخلص يخلّص هذا العالم من عذاباته، فحينما يسرد أقاصيصه يصمت الزمان، ويتمكن الشاعر من رتق جراح الوجود؛ كي يتمكن من التخلص من عذاباته:”

يَصْمِتُ الوَقْتُ مِنْ شَغَفٍ فِي هُبُوبِ أَقاصِيصِهِ،
تَنْقُلُ الرِّيحُ ما يَتَنَاثَرُ مِنْ سِرِّهِ.. للأقَاصِي،
لِيَنْتَبِهَ الشَّارِدُونَ عَلَى ضَفَّةِ الانْكِسَارِ.. لحُنْجُرَةِ الرِّيحِ:
(هَا مَعَـهُ خَيْطُ شِعْرٍ،
يُرَتِّقُ ثَوْبَ الوُجُودِ المـُمَزَّقِ مِنْ خَنْجَرِ الذِّكْرِيَاتِ،
يُهَجِّرُ كَالرِّيحِ أتْرِبَةَ الدَّهْرِ عَنْ أوْجُهِ الفُقَراءِ،
يُجَفِّفُ كَالضَّوْءِ دَمْعَ الحَيَارَى أَمَامَ اعْتِصَامِ الدَّلِيلِ
هو الشِّعْرُ يأتي لَيَحْرِقَ طُورَ الـمَرَاثي!).
هُو ذَا يَتَسلَّقُ بُرْجَ النّبُوءَةِ،
يُوْقِدُ يُمْنَاهُ نِبراسَ فَجْرٍ إِلَى العَابِرِينَ عَلَى غَابَةِ اللّيْلْ،
ويهيئ حُجْراتِهِ لِلْمَسَاكِيْنَ”.

ولأن الشاعر منشغل بأسئلة الوجود الكلية، منشغل بقضايا فلسفية ورؤيوية تجعله يبحث عن أسئلة الإنسانية، محاولا أن يوجد لها إجابات، إنه يهتم بهم كوني، ليس بالوطن الضيق وهويته وأسئلة وجوده تجاه الاندياح وتغييب الهوية كما في الديوان السابق”أنسى طريقي إلى البيت” إنما هو يبحث عن أسئلة الإنسانية في عموميتها، نراه يقول :”

فلنُبْصِر
:الآدَمِيَّةُ في غَابَةِ الوَقْتِ تَرْتَعِشُ البَردَ خَلْفَ شُجَيْرتِها
الأخِيرةِ،
خائِفَةً مِن فُؤُوسِ الغُيوبِ،
ومَّما وَشَتْهُ الفُروُعُ،
عَنِ الرِّيحِ،
عَنْ قَادِحِي النَّارِ في طُرُقَاتِ الشِّتَاءِ،
هُنَا حَيثُ سِرِّي: صَحيفةُ قَلْبٍ مُعَمَّدةٌ بالمـَنَاراتِ مِنْ مَنْطِقِ الرُّوحِ،
لا شَيْءَ يَسْكنُ عَدْنَ مُخَيِّلَتِي غَير أغْنِيَةٍ،
للخَلَاصِ سَمَاويَّةِ اللَّحْنِ،
تَبْعَثُ لِلْفَجْرِ مِفْتَاحَ أغْلَالِهِ،
وتَحِيكُ قَمِيصًا بِرِيْشِ الـمَلَائِكِ لِلْغَدِ،
رُوحِي صَنوبَرةٌ تَشْتَهيها الأراضِينُ ظِلًّا وعُشَّ عَصافيرَ،
أُرْجُوحَةً للصغَارِ،
قَلْبِي بِلادٌ بِلا حَرَسٍ للحدُودِ”.

إن الذات الشاعرة في ديوان “انطلاق النور” تواصل مساءلة الإنسانية، طرح أسئلة الوجود، دون تعيين واضح لوطن أو قضايا واقعية، إنها فلسفة الوجود وزاوية الرؤية التي يواصل الشاعر طرحها:”

أسَائِلُ الأرْضَ،
أيْنَ الماءُ مِنْ شَجَرِي؟
وكُنْتِ مِنْ قَبْلُ عَرَّافًا لِساقِيهِ!
تَشَقَّقَتْ فِي خَيَالاتِي البِلادُ،
وِرَاقًا مِنْ خَرِيفِ الحَيارَى،
جُرْحًا لَا أُوَارِيهِ”

ولأن الذات الشاعرة مشغولة بأسئلة الوجود، ولديها يقين بدور الأنبياء أو المصلحين أو الفلاسفة، فهي تواصل بشاراتها ورؤاها للوجود من أجل أن تكتمل الرسالة:”

بِشَارَتِي فِي الرُّؤَى الأولَى،
ولِي أُخَرٌ:
فِي كَعْبَةِ النَّصِّ حَطَّمْتُ التَمَاثِيلَا
أبْنِي بُيوتًا بِصَدْرِ الآخَرينَ،
قُرَى،
لَكِنْ أبِيتُ بغَارِ اللَّيلِ قِنْدِيلَا
إذِ اشْتَعلْتُ،
قِيامَاتٍ مُبطَّأةٍ
ليَبْرُقَ الحِسُّ فِي عَيْنَيَّ جِبْرِيلَا”.

موضوعات متعلقة:

جدلية الذات والعالم ..قراءة  ثقافية (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img