دراسة في ديوان الأبيض يفرض سطوته للشاعر/ حسن الإتلاتي

مرغم من يقرأ هذه المجموعة من القصائد أن يعبر بالإهداء، باعتبارها عتبة من عتبات شعرية هذه القصائد، فهو على ما صرح الشاعر مجموعة من المشاهدات والمكابدات، التي ربما يعانيها الإنسان على الأرض من بدء الخليقة أو قل من لحظة أن استطاع أن يقتل الأخ أخاه، لحظة الجريمة الأولى وقت أن قتل قابيل هابيل.

من هنا لنا أن نتوقع شعرية رؤية تحاول أن تتامل تفاصيل العالم من حولها، وانبدأ بالقسم الأول من الديوان.

دخول أخضر

وقصائده: [سؤال، متسع، الكفوف الضيقة، قروي، أغنية، قالت أجل، حكاية، قلبي عند يا بنت الموت]. وفي القصيدة الأولى يبرز السؤال لماذا؟ ومركزه هذا الغياب، الكامل للحياة، فحين يعنى الحضور حيازة ملك سليمان وعصا موسى ومقعد البابوية، فهي الحياة بكل ما يجعلها هنيئة مريئة، لكن حين تغيب هذه الدوال يعنى انعدام مدلولاتها، يقول شاعرنا، في القصيدة الأولى “سؤال”:

حُضُورُكِ
يمنحني ملك كسرى
بئر أيوب
يمنحني العصا الموسَويِّةْ
يَمْنحُني مقعد البابَويِّة

حُضُورُكِ أُحْي بِهِ الميِّتينَ

حُضُورُكِ

يفعلُ بي كلُّ هذا

لِماذا 
لِماذا
إذَنْ
كلُّ هذا الغيابْ ؟!

هذا وليس لحظة الغياب لحظة عابرة على معنى غياب الخطوط الكبرى أو القضايا الكبرى، وإنما هو غياب مستمر، لهذا فالغياب ضربة لازب على قلب الشاعر، فالحياة بمعناها الغني الغائب منحوت في جدار الروح، على نحو ما نجد في القصيدة الثانية “متسع” هذا العنوان الذي يدل على الغائب وهو الحياة بمعناها الأكمل أنها متسع للحيارى واصحاب الألم والمكابدة لأن تفاصيل الحياة محض عذاب يلح على غياب المعنى الكلي:

في غِيابِكِ

كلُّ الأشياءِ تُعذَّبُني
حتّى صُورتُك المنحوتةُ
في جدار الرُّوحِ
للنيلِ أشكو
كيف تَسرِقُ منِّي دموعي

ولا تُوصلها لها ؟!

لهذا سوف يلح الشاعر على الحضور من خلال وسيلته الكبرى “الشعر” يقول شاعرنا:

ارجعي

 فِي القلبِ ظمَأٌ
وفي الشِّعْرِ مُتسعٌ لمدحِ بَهاكِ

 يا عطية الله

يا جنَّتهُ على الأرض

ارجعي

كي يعودَ ليَ اتزانيمن هنا يكون القلق والرحلة والمغامرة أما هذا الإنسان الذي يجمل براءة طفل عبر مسيرة الحياة يطيل البجث حول هذه الغائبة كما في القصيدة الثالثة ” كفوف ضيقة”، ولنا أن نتاول هذه الكفوف الضيقة بكفوف الطفل الصغير أو الطفلة الصغيرة التي يناجيها هذا الباحث عن الحياة، بشعره التسابيح والصلوات التي يعمد بها روحه في رحلة البحث المضنية هذه، يقول الشاعر:

غَيرَ أنِّي
لمْ أزلْ سَاذِجًا
مِثلَ طِفلٍ
أَسوحُ في بلادِ اللهْ
أحمل في قلبي
صلاةً لِلحُقُولْ
باحِثًا
عنْ وَطَنٍ

 يعرفني جيدًا
عن طِفلةٍ
تَقبلُني
على سذاجتي
و على كُفوفي الضّيقة!

وهذه الغائبة هي (ست الحسن) في القصيدة الرابعة التي تنيظرها الروح لترتكن إليها، روح هذا القروي الساذج الذي ينوء قلبه بحمل المواجع:

لستُ مُتاحًا في كلِّ الأوقاتِ

للقلبِ مَوَاجِعُهُ
وبالظهر طعنةٌ طازَجَةْ

يا ستَ الحسنِ

وهنا يلح الشاعر مرة أخرى على الحضور الواجب للتخلص من هذه المكابدات مرة أخرى يناجي هذه الجنة الغائبة للتفضل بالحضور لهذا البسيط الساذج المسكون بالشعر اللم المسكون بالرؤية التي تلمح العياب في عمق الحضور الزائف لهذه الحياة، يقول في ختام قصيدته:

بعيونك موَّالُ الدهشةِ


وأنا قُرَوِيٌّ ساذَجْ
كمْ يَخشَى البحرَ
وأحبُّ الصفصافْ
وغبارُ الشَّارعِ في رئتي
مسكونٌ بِكلامٍ فارغْ
عن دنْيا تَتْسعُ لِطفلْ

يا محفوفة بالمَكارِهِ
جنتي مزقت عُراها

فَتعالي
لي صبرٌ كالثلجِ نَفدْ


لا غيرُك مرتكنُ الرُّوح
لا غيركِ مذبحةُ جَسدْ

وفي تحول جديد للمكابدة يناجي الشاعر هذه الغائبة المفعمة بالحياة، مناجاة يشي بها حرف النداء المتكرر عبر سطور النص الخامس (أغنية)، وبالتحديد في مساحة ينقسم عنده النص ، النصف او يكاد نداء ومناجاة، والنصف الآخر هداة أمام طغيان الغياب، وكأنه مكابدة اليائس الذي يمنى نفسه بهمس واستجداء مرة أخرى، فالنداء الذي يعمق المناجاة فيه توالي اسم الصلة بعده (التي)، وهو توتر في البحث والإلحاح على الحضور وتنامي لإحساس الفقد وتعمقه يقول الشاعر في القسم الأول من النص:

يا التي

شَعرُها حقلُ حِنطةْ

يا التي 
عينُها وردةٌ غافيةْ
يا التي

وجهُها قمرٌ كاملٌ

كفُّها من لُجَينْ يا التي

عودها بَيْنَ بَيْنْ

يا التي

أدخَلَت عَاشِقًا جنَّتينْ
طولهما الشوقُ

و الوجدُ

عَرضُهما الوحدةُ القاسيةْ

عليكَ سلامُ القلبِ

أما القسم الثاني من النص، فتهدأ نبرة التوتر كما قلنا، ويلجأ النص إلى لغة هامسة راجية من هذه الغائبة الحضور، لتؤنس روحه وتنهي اغترابه الذي يملأ الون باتساعاته، يقول فيه:

هل تَعودينَ لهْ
تُعيدينَ لهْ
أُنسَ وَحشَتِهِ
بدْءَ دهْشتِه
أساهُ الجميلَ
عصاهُ التي شقَّت البحْرَ
لم تستطع أن تشُقَّ انتكاسَتَهُ
تعاسة مهجتِه الخابيةْ

فاسْألِي إنْ  تشائي
ورائي اغترابٌ لحدِّ السَّما
وأمامي
هزائمي الحُلْوَةُ المرَّةُ البَاقِية

واغتراب الذات الشاعرة الذي يملأ الكون سيكون السبب في استمرار رحلة البحث خلال جنبات هذا الكون، بحيث تبدو مساءلة الكون بتفاصيله رغبة وإلحاح آخر على الحضور الذي يبحث عنه، كما في القصيدة السادسة (قالت أجل) حيث سيرحل للبحر والشمس .. إلخ يسالهما عنها:

ذهبتُ للبحار

قلتُ : يا بحارْ

لست بحّارًأ عريقا

بل غريقًا

غير أني عاشقٌ 

سألتكم بربِّ هذا الماءْ

ـ وكانَ عرشُه عليهْ ـ

لؤلؤ ةً 

أنا لا أريد غير لؤلؤة

لِصدرِها الوثيرْ

لم أجد

لم أجد

كلُّ ما وجدته محارا

ذهبت للسماء 

قُلْتُ : يا سماءُ يا شقيقتي

أحتاجُ نجمتين

نجمتين حلوتين 

لشالها الحرير 

لم أجد 

لم أجد

النجومُ مطفأة

…………

ثمّ إنني مشيت

مشـ………………يت

لهذا سكون الشعر الحلم هو مكمن حضور هذه الغائبة وليس سواه، لتتأكد رؤية الديوان بأن الشعر رؤية ومكابدة مستمرة وراء المعاني التي تعادل من وجهة نظر هذه الشعرية الحياة بكاملها، يقول الشاعر في ختام القصيدة، بعد طول الرحلة والسؤال عنها البحار والسماء والنجوم ..إلخ:

قلت يا أميرتي

يا عشقي الأخير

هل 

تسكنين
تسكنين
قصيدتي
هي

وحدها

ال لم تُلوَّث وحدها

قالت : أَجَل

قالت : أَجَل

وهنا تستحيل الغائبة إلى محض أسطورة كأسطور أو حكاية هذه الجارية في قصيدته السابعة (حكاية):

قالوا
يُحكى أنَّ جاريةً

اشتراها ملكٌ
كان يحبُّها من قلبه
حين رآها مع أحدِ عَبيدِهْ
ظلَّ يسْكَرُ
يسْكَرُ

حتَّى انتحر
………………………..
موال
حبيبتي …..
حبيبتي  ……..
حبيبتي ………..
حبيبتي كانت تحبُّ الذهب !!!
……………..

أو كهذه المرأة العشرينية:

يُحكى أنَّ امرأةً في العشرين
تملكُ جسدًا من عسجد
وكفوفًا من عجينْ
تزوَّجها خادمٌ
سرقَ خزائنَ مولاهُ الأعظمْ


كانت كأميرةٍ مهزومة

وفي قلبِها

مستوطناتُ الحُزنْ

 فافترقا
……………….

أو كهذه المأة الميتة التي تزوجت من ميت كما في القصيدة:

قالوا :

إنَّ امرأة ميتة

تزوَّجت من رجلٍ ميِّتْ

ظلَّا

يتقاسمانِ العيشَ

كقطعتيْ شطرنج

أو ماشيةْ

كانت ميِّتةً

كزهرة ملقاة على رصيف

كان متسامحًا كثورٍ

 يتناوبُ القفز

لحفظِ السلالةِ المقدَّسةْ

كانا

يمتلكانِ الكثيرَ :

بيتا بحجم قطة

وسبعة أطفالٍ

وحزنا يتسع مع الوقت

وأنا 

كلَّما نظرت  وجهَها

الذي لم يعد كالشمس

ـ وهى تعبرُ الطريق 

خلف زوجها الذي لا أكرهه ـ

أنكس رأسي

وألكزُ حِصاني

الذي 

أصبح دون قلبٍ

وبساقٍ واحدةْ !

بهذا تستحيل الحياة محض أسطورة ويستحيل الشعر إلى براح للحكاية التي تضمد الألم والمكابدة خلال رحلة الحياة التي لابد ستستمر ولابد فيها من معاناة هذا الغياب لهذا المعنى الكبير الحياة. للوقوع فيما يشبه الحلم حين يصبح الوجود والحضور ضرورة يصنعها الشعر بهذا يخنم الشاعر هذا القسم من الديوان بقصيد (قلبي عندك يا بنت الموت):

وسيسحبها  لفضاء لزج

بكلام سيسيح إذا طلع الصبح

ستنقادُ  كقطة

وسيبدو لعينيها كبطل

قادم على حصانه

ليتوِّجها

على القلبِ أميرةً

و ستَ للحُسنْ

وستجري أمامَهُ

مثل طفلة

تتخبَّأ خلف شجرة توت

سترسمُ قلبا

و ..( أحبك )

تكتبُ بالدم

وسيقنعها

أنَّ النار ….

تأكل نفسَها

ويضمُّ البنتَ إليهْ

تتذكرُ

أعواما  تمضي

شقيقتَها الصُّغرَى..

زفوها رجلًا يكبرها جدا

يُكبر ماءَ صباها

بادلها حُسنًا بالمال

شفقاتٍ

في قلب الأم

وفي عين أبيها

وستَهْذِي

:لا ذنبَ جنيتُ …

دمامةُ وجْهي لا تَمنعُ

قلبي عن خفقٍ

لا تَمنَعُ

 رُوحي من تحليقْ

ستنسى عربةَ خبزِ أبيها

ضربَ الحُقنةِ بِالبيضةِ

والقرشينِ

بقع الزيتِ على ثوبِ الأُمّ

تصحو من فجرٍ

لترشَ الشَّارع

وتبيعُ الخُبز

و خُضارا  يذبلُ كفتاة  عانسَ …

من حَرِّ الفقر

ستنسى دعوات الجارات بستر العرض

العِرضْ !

تتذكر

جسدًا ينسلُّ كشعرةْ

ربما  كمبرر

لضمير

لا بُدَّ سيصحُو

على شيخٍ

سوف يخفضُ الرأسَ

كثيرًا

و امرأة لن تبصر الطريق جيّدا

ولن ترشّ الشّارع بعدْ

البنتْ

تسبحُ في ملكوتِ اليقظةْ

تُسْلمُ قلبًا  لجدارِِ الحزنِ

و تُسْلمُ جسدًا لجدارِ الموتْ

قلبي عندكِ

قلبي عندكِ

يا بنتَ المَوتْ !

ترانيم

في هذا القسم مكن الديوان تطون الموسيقى هادرة والنصوص مفعمة بالحركة والأمل

دخول أحمر

قصيدة (مشاهدات)

أنا القتل والقتيل مهمة في سياق الديوان مع الإهداء

وقصيدة نيرون\

47 قصيدة

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img