قصيدة عاد الجريح للشاعر الشربيني محمد شريدة

عاد الجريحُ وسيفُ اللهِ ما عادا
لم يهدأ الطعنُ في المقتولِ بل زادا

لا أطلبُ العفوَ من سيفٍ يريدُ دمي
وأرتجي من فؤادي العفوَ إن حادا

هو الصبيُّ الذي علَّـمتُه زمنًـا
فشبَّ نحوي بسهم الشوقِ سدَّادا

منعتُ عنه الهوى دهرًا فغافلني
وراح يمرحُ خلفَ الحبِّ إذ نادى

عوَّدته أن يردَّ العشقَ مجتهدًا
لكنه قد نسي في الحبِّ ما اعتادا

زرعتُ في دربه شوكًـا فحطَّمه
وعاد يزرع في كفيَّ أصفادا

وصارَ يعصرني خمرًا لسكرته
حتى ذوت بابلي كَـرْمًـا وأعوادا

أدارني في كوؤسِ الساهرينَ إلى
أن جفَّ نبضيَ في الشريانِ أو كادا

أصبتُه بهوًى فصابني بجوى

غدوتُ عبدًا له أعنو لسطوته
يسومني العشقَ إذلالًا وإجهادا

أنَّى يشا فبرغمي صرتُ أتبعه
وصرتُ أبصرُ كلَّ الناسِ أسيادا

هل ذاك قلبيَ أم سيفٌ على عنقي
يعودُ في أضلعي بالموتِ؛ إن عادا؟!

لعله ارتاحَ حينَ ارتدَّ في جسدي
أو أنه ظنَّ في جنبيَّ أغمادا

أنا الطريحُ وحولي الناسُ عـابثةٌ
تمضي إلى غيِّـها شيبًا وأولادا

على شفير وريدي ينظرونَ دمي
حتى يسيلَ مواجيدًا وتسهادا

يا ويلتا من غرامٍ كنتُ في يده
أنا الذبيحَ وكان القومُ أشهادا

فلا صريخَ لشاكٍ في الجراحِ سوى
ذئابِ وجدٍ أتتْ في الليلِ عُـوَّادا

طافت حواليَ سبعًـا ثـمَّ صاحَ دمي
للموتِ جاؤوكَ لا للحجِّ قصَّـادا

تمزَّقـَتْ كلُّ رايَـاتي وفي كـبـدي
ما عدتُ أحصي لموجِ الـشَّـوقِ أعدادا

إن كان للناسِ أزمانٌ فلي زمني
وحدي أعيشُ به موتًـا وميلادا

أنا المهيَّـأُ للترحالِ ما هدأَتْ
ظهور خيلي ولا أدركتُ ما بادا

أنا المحاصر بالتحنانِ؛ قافلتي
في الـتِّيه غاصت جماعاتٍ وأفرادا

ما زلت أسأَلُ عنها الرَّملَ في لهَفٍ
أطوي المهالـكَ كثبانًـا وأطوادا

مسافرٌ في دروبِ التائهين سدًى
مع المواجعِ ما أخلَـفْـتُ ميعادا

لا دارَ في ظلمَـاتِ الليل أسكنها
إلا اغتدت في شروقِ الفجر أرمادا

وخيمتي من ضبابٍ حين أدخلها
تنهار ساقطةً سقفا وأوتادا

ولا سماءَ لأروي عشقَ أجنحتي
لقمَّـةٍ فوقها أرسيتُ أمجادا

فكم فردتُ جناحي في الفضاء مدًى
وكم بلغت بروجَ النجم مرتادا

أمدُّ كفّـي إلـيهِ أجتنـي قـبسًا
يُبقِـي دمي في ظلام الليلِ وقَّـادا

هززتُ جذعَ الهوى فاسَّـاقَطت رطبٌ
من غُـصنِ قلبي وكانَ الغصنُ ميَّادا

حتى نثرتُ حماماتي ترشُّ رؤًى
على القلوب فينسى الناسُ أحقادا

والآن ما زلتُ فوق الأرض مرتهنًـا
يضيقُ بي الأفق أعماقًـا وأبعادا

جناحيَ انهدَّ في عشِّ الجوى فزعـًا
يرى ملاكَ الرؤى في الوهـمِ صيادا

والأرضُ غضبى إذا أقبلتُ تطردني
وإن صدَدتُ تناديني لأنقادا

أكلَّما لاح لي في العمر موطنها
وكدت أروي ظماي ازددتُ إبعادا

أبكي السراب وأبكيني إذا طللٌ
بدا فلم أستطعْ للغوثِ إيجادا

خطوي ثقيلٌ وجنُّ الريحِ تسكـنني
يطيحُ بـي مسُّـها بـرقًـا وإرعـادا

فكلَّـما ضـاءَ نورُ الحـلـم تخمدُهُ
ولا تـريدُ لنارِ الشـوقِ إخمـادا

أبني على شرفاتِ الحلم عاصمةً
أقمتها من رؤًى أرضا وأبعادا

بلقيس لما رأت أسوارَها هدمت
سبأً وهدَّم ذو القرنين ما شادا

نهارها فوق هدبِ الكونِ منتصبٌ
وليلها بمصابيح الرضا مادا

بنيتُـها حجرًا يثوي على حَجَـرٍ
كأنَّ قد رفعتها في السَّما عادا

لكن وقد صابني سهم الغرام هوت
على ضلوعي أسوارا وأعمادا

فاساقَطتْ وجعًا يهوي على وجعٍ
تهدُّ أنَّـاتـه صنـعـا وبـغـدادا

فقمت أجمع من أحجارها مهجا
ماتت فقام لها في القبر ما بادا

وجئت أدفنها في الترب فانفجرت
لآلئا زينت بالحب أجيادا

شفت فراقت فصارت لؤلؤا نثرت
منه المواويل تسبيحا وأورادا

يا صاحبي لا تلمنى في الهوى أبدًا
لم ألتمسْ منكَ عندَ الحبِّ إمدادا

وإن فنيتُ هنا فاذكُـرْ حكايتنَا
وفوق قبري أَقِـمْ عُرسًـا وأعيادا

حدِّثْ رفاتي إذا ما شئتَ تبعثُني
بذكْـرِ ليلى علَى المقبورِ إنشَادا

أَقُـمْ إليكَ ونمضي في الوجُـودِ معًا
كلٌّ يغنِّي على ليلاه آبادا

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img