من بادية الحجاز إلى مقهى العشق والثورة (4)

من بادية الحجاز إلى مقهى العشق والثورة (4) دراسة في ديوان ” على باب غرفتك المستعارة ” للشاعر / الضوى محمد الضوى

خالد طايع

– أما قصيدة ” رقية “ فلا تمنحنا أية إشارة قاطعة تؤكد أن المقصودة هنا هى رقية بنت الحسين ، لكن السياق العام للديوان حيث يحتوى على نصوص تشير إلى شخصيتى زينب والحسين بالإضافة إلى خديجة وفاطمة يرجح أنها المقصودة هنا ، وأبيات القصيدة فى مضمونها تتسق بل وتنطلق مما ذكرته كتب التاريخ عن هذه الطفلة التى ماتت ولم تبلغ الخامسة من عمرها حزنا على أبيها الحسين ، فقد رأت أباها فى المنام بعد استشهاده فاستيقظت من النوم فزعة متسائلة : أين أبى – وكانت في قصر يزيد بن معاوية – فأجابت النسوة المحيطات بها بالبكاء والنحيب ، وحين على يزيد بالأمر أمر بأن يضعوا بين يديها رأس أبيها ، وحين رأت الرأس الشريف انكبت عليها تقبيلا حتى ماتت .

النص يشير إلى طرف من ذلك : بكاء الرفاق على فراقك – دون التصريح بأن المقصود هنا هو الحسين تحديدا – لكنها وحدها التى صارت مشغولة بذكراه ، يعذبها أنه إن زارها طيفا وخيالا لا يمكث بل يسارع بالمضى

” لو أنما   طيفكم  قد  عادنا و مَضى

 أو   أنما  خاطرٌ    يدنو    فـنأتنسُ

تفرُّ  إن  سَلَّمَتْ  عَيناك .. مرتبكًا

أبكي  وتلكَ   شفاهٌ  بعدُ ما  نَبَسُوا :

اجلسْ ، فُدِيتَ؛  سلامٌ  زَادَنَا  وَلَهًا

         إنَّ الكرامَ  إذا ما   سلَّموا    جَلَسُوا  “

والقصيدة تسجيل لموقف إنسانى ملئ بالشجن ولا تبغى أكثر من ذلك ، لكن الأجمل أن نزعها من سياقها التاريخى المفترض أمر ممكن ؛ إذ يحيلها إلى صرخة إنسانية معذبة ينطق بها من اكتوى بفراق من أحب دون ان يكون له رصيد من السلوى سوى الذكرى المعذِبة .

رابعا : المرأة وتجليات حضورها فى الديوان

أحد محاور الديوان المهمة ، بل لعله الأهم ، زوايا تناوله – بحثا – متعددة ، بيد اننى سأكتفى بالإشارة زاوية واحدة هى تأرجحها داخل الديوان بين دلالة أحادية تنزع بالمرأة إلى المراة المحبوبة فقط وبين تحليقها في فضاءات التأويل حيث المرأة رمز الوطن ، أو المرأة رمز القصيدة ، وهما رمزيتان لا إمكانية حضور المرأة المحبوبة .

* ثمة نصوص أراها تستدعى المرأة / المحبوبة لا غير ، دون أن يعنى ذلك أية مصادرة منى لأية رؤية أخرى ترى فى النصوص تلك معطيات مغايرة ، بيد أننى رأيت التأويل فى هذه النصوص يحمل شيئا من التكلف . نجد ذلك فى قصائد : ” كل الأطفال سمر ” ، ” كالأطفال إذا صلوا ” ، ” جرح اللام ” ،كما أراها الأرجح فى قصيدة ” على باب غرفتك المستعارة ” .

– فى قصيدة ” كل الأطفال سمر “ نطالع نصا غزليا رقيقا عن محبوبة تمنح محبوبها التصالح مع العالم :

” حين تَمُرِّينَ ببالي

أسندُ رأسي للحائطِ .. و أطوِّقُ ظَهْرَ العالمِ

أضحكُ من قلبي

لنكاتٍ أسمعها منهُ للمرةِ ألف

وأطرقُ راحتَهُ مؤتَنِسيْنِ ونشردُ

نتذاكرُ أغنيَّاتٍ كانتْ

نتبادلُ هَمْسًا أسرارًا خارجةً واللهِ على الآَخِرِ ،

نتبادلُ وردًا ،

و مشاريبَ على ” القهوةِ “

و مقاطعَ لابنِ الفارضِ “

– وقصيدة ” كالأطفال إذا صلوا ” تجعل من المحبوبة الأنثى الأولى وكمال العشق ، إنها التى تعيد للعالم بهاءه وبكارته :

” اللحظةُ أروعُ

لو أنتِ توقفتِ لدى شطَّيْها

وسترتِ الدمعَ بأطرافِ الروحِ

لكي يتمكنَ كونُ اللهِ من الرؤيا

و يعودَ الخلقُ إلى البدءِ :

أراكِ هنالكَ ..

تفترشينَ الأسماءَ بآونةِ الطيرِ فراديسَ  “

* أما فضاء التأويل المتسع فنجده فى قصائد ” نار بحوزة طائر ” ، ” مكابدة الدخان ” ، ” – …..؟ – …. ” وكلها تحتمل أن تكون المراة – إضافة لدلالاتها الأولى على المحبوبة – رمزا للوطن أو للقصيدة :

– فى قصيدة ” نار بحوزة طائر ” معطيات النص ترجح حضور المرأة / الوطن حتى قبيل نهاية النص :

” و تمرُّ قبل دخولِ موسيقايَ للسُّوَرِ الطوالِ

وقبل جمعِ الشمعِ للصلواتِ

قبلَ قصيدةٍ عَرِيَتْ سدىً

ودمٍ توضَّأ كي يغني ..

ثم لم يهتمّ “

فالسور الطوال وشمع الصلوات يشيران إلى العنصرين المشكلين لنسيج الشعب المصرى : المسلمين والمسيحيين ، وفى الدم المتوضئ للغناء إشارة لدماء شهداء الثورة . ونقرأ أيضا :

” وزَّعوا  أرواحكم  خبزًا وأَرْدِيَةً

ونقرًا خافتًا
يأوي إلى روحي ؛ ليسندَ خوفَه وينامُ

غنوا للربيعِ .. و للتي ستمرُّ

أو مرَّت .. “

والخبز والأردية والربيع المغنَّى له إشارات تعضد الدلالة المرجحة للمرأة / الوطن ؛ فكلها مفردات تنمتى لمعجم الثورة .

لكن القصيدة فى نهايتها تشاكس القارئ ؛ إذ تضع العلاقة بالمرأة فى صورة غزلية هى أقرب للمرأة المحبوبة :

” ومُلْتَاعًا سيوقفُ بائعَ الحلوى

ليسألَه : إذا قالتْ أُحِبُّكَ

هل ستكفي علبةٌ من هذه

ليظلَّ أطفالٌ ملائكةً

ومندهشينَ يشدون الذي قالت ؟!

– ستكفي
ربما تكفي ابتسامَتُها لأكثرَ من هواكَ

فضمَّها وابكِ إذا قالت أحبُّكَ ..”

ولا يعنى ذلك خللا فى الرؤية ؛ فللعاشق أن يقيم علاقته بمحبوبته وفق الكيفية التى يراها والحالة التى يستشعرها .

– وإذا كانت قصيدة ” زينب “ – كما سبق – تستدعى شخصية أنثوية تراثية تقيمها رمزا للوطن الثائر فإن قصيدة مثل ” حين أومأت لى “ تحدث بين المرأة والوطن تجاورا لا تمازجا أو تماهيا ؛ فالقصيدة تضعنا امام ذاتين لكل منهما حضوره المستقل ؛ المحبوبة – والوطن المشار إليه إشارة عارضة لكنها كفيلة باستحضار دلالات مسكوت عنها ، وذلك فى قوله “البلد اللافكاك ”

والقصيدة نموذج بديع لمعالجة غنية شاعرية لقصة حب مكررة ويومية ، إذ نشهد من مثيلاتها ما لا يحصى . لكن التفاصيل البسيطة والمجانية مسكوت عنها فى النص متروكة للقارئ كى يستدعيها لتحلق بنا القصيدة فى جماليتها الشعرية .

فإجمالا نحن امام حالة من حالات الحب المهدد بالانهيار ، فهناك العاشق المكبل بالخوف فى مواجهة أم محبوبته ، وهناك المحبوبة التى نفهم من النص أنها بقدر ما تبادله عشقا بعشق فتومئ له فإنها تغيب عنه ، وهناك الأم – أم المحبوبة – التى ترى العاشق فتى باهتا ( فى إشارة مفتوحة تتيح لنا أن نضع احتمالات عدة تنتمى لما هو معتاد وبسيط فى الحياة ، منها أنه أى العاشق كأى شاب لا يستطيع أن يتحمل نفقات الزواج ، أو ربما لأنه شاعر ، والشعراء كما يقول الشاعر البولاقى فى موضع مشابه : ” ربما ضحكت وقالت : شاعر

             لا يملك الشعراء حين تجيئهم إلا كلاما “

وإن كان النص يشير إلى أن مشكلة العاشق تكمن فى تررده وخوفه من محادثة الأم ) وهناك – رابعا – الجواسيس المحيطون بالمحبوبة الراغبون فى انتزاعها منه ، وهناك – أخيرا – البلد اللافكاك . ويكفى أن تحاور أى شاب فى مجتمعنا اغتيلت أحلامه ليشرح لك معنى الوطن اللافكاك والذى إن لاحت له فرصة لمغادرته لفعل ، وفى هذا الجو المشحون بالإحباط يرى العاشق كل الموجودات متآمرة عليه ، إذ تحول بينه وبين محبوبته حتى أشجار الفيكس :

    ” تذكرت

    والفيكس الوغد حال هنالك بينى وبين مرورك “

لكن النص فى نهايته يحدث نوعا من التصالح بين الشاعر وذاته المحبطة الساخطة ، إذ ينصحه ( متعَب ) بأن يستعيد هواها ، وأن يذود الجواسيس عن قلبها والنوافذ وأن يحب البلاد التى لا فكاك ، لقد لقنه حينها سورة وعلم ؛ سورة العشق وعلم الوطن.

* المرأة والشعر صنوان فى الديوان ، وقد ألمحنا إلى ذلك عند الحديث عن محور ( الشعر ) :

– فوظيفة الشعر الأولى هى التطريب ( قصيدة ” وشوا به للحنين ” )

– وحين يعدد ما يحتاج لإنجازه قبل أن يداهمه الوقت يذكر المرأة أولا ثم يتبعها بالشعر ( قصيدة ” عصفور وهذا قفصى ” )

– وحين يذكر ما سيحتاج إليه فى رحلته بعيدا عن الخوف يذكر الشعر ثانيا ثم يتبعه بالحب بعد ذلك ( قصيدة ” على باب غرفتك المستعارة ” ) .

* كما أن ما ذكرناه عن قصائد ” السيدة ” ، ” فاطمة ” ، ” زينب “ وهى نماذج نسائية مستدعاة من التراث جدير بأن ينظر إليه هنا فى محور المرأة .

موضوعات متعلقة:

من بادية الحجاز إلى مقهى العشق والثورة (1)

من بادية الحجاز إلى مقهى العشق والثورة (2)

من بادية الحجاز إلى مقهى العشق والثورة (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img