خالد طايع
– أما قصيدة ” رقية “ فلا تمنحنا أية إشارة قاطعة تؤكد أن المقصودة هنا هى رقية بنت الحسين ، لكن السياق العام للديوان حيث يحتوى على نصوص تشير إلى شخصيتى زينب والحسين بالإضافة إلى خديجة وفاطمة يرجح أنها المقصودة هنا ، وأبيات القصيدة فى مضمونها تتسق بل وتنطلق مما ذكرته كتب التاريخ عن هذه الطفلة التى ماتت ولم تبلغ الخامسة من عمرها حزنا على أبيها الحسين ، فقد رأت أباها فى المنام بعد استشهاده فاستيقظت من النوم فزعة متسائلة : أين أبى – وكانت في قصر يزيد بن معاوية – فأجابت النسوة المحيطات بها بالبكاء والنحيب ، وحين على يزيد بالأمر أمر بأن يضعوا بين يديها رأس أبيها ، وحين رأت الرأس الشريف انكبت عليها تقبيلا حتى ماتت .
النص يشير إلى طرف من ذلك : بكاء الرفاق على فراقك – دون التصريح بأن المقصود هنا هو الحسين تحديدا – لكنها وحدها التى صارت مشغولة بذكراه ، يعذبها أنه إن زارها طيفا وخيالا لا يمكث بل يسارع بالمضى
والقصيدة تسجيل لموقف إنسانى ملئ بالشجن ولا تبغى أكثر من ذلك ، لكن الأجمل أن نزعها من سياقها التاريخى المفترض أمر ممكن ؛ إذ يحيلها إلى صرخة إنسانية معذبة ينطق بها من اكتوى بفراق من أحب دون ان يكون له رصيد من السلوى سوى الذكرى المعذِبة .
أحد محاور الديوان المهمة ، بل لعله الأهم ، زوايا تناوله – بحثا – متعددة ، بيد اننى سأكتفى بالإشارة زاوية واحدة هى تأرجحها داخل الديوان بين دلالة أحادية تنزع بالمرأة إلى المراة المحبوبة فقط وبين تحليقها في فضاءات التأويل حيث المرأة رمز الوطن ، أو المرأة رمز القصيدة ، وهما رمزيتان لا إمكانية حضور المرأة المحبوبة .
* ثمة نصوص أراها تستدعى المرأة / المحبوبة لا غير ، دون أن يعنى ذلك أية مصادرة منى لأية رؤية أخرى ترى فى النصوص تلك معطيات مغايرة ، بيد أننى رأيت التأويل فى هذه النصوص يحمل شيئا من التكلف . نجد ذلك فى قصائد : ” كل الأطفال سمر ” ، ” كالأطفال إذا صلوا ” ، ” جرح اللام ” ،كما أراها الأرجح فى قصيدة ” على باب غرفتك المستعارة ” .
– وقصيدة ” كالأطفال إذا صلوا ” تجعل من المحبوبة الأنثى الأولى وكمال العشق ، إنها التى تعيد للعالم بهاءه وبكارته :
* أما فضاء التأويل المتسع فنجده فى قصائد ” نار بحوزة طائر ” ، ” مكابدة الدخان ” ، ” – …..؟ – …. ” وكلها تحتمل أن تكون المراة – إضافة لدلالاتها الأولى على المحبوبة – رمزا للوطن أو للقصيدة :
فالسور الطوال وشمع الصلوات يشيران إلى العنصرين المشكلين لنسيج الشعب المصرى : المسلمين والمسيحيين ، وفى الدم المتوضئ للغناء إشارة لدماء شهداء الثورة . ونقرأ أيضا :
والخبز والأردية والربيع المغنَّى له إشارات تعضد الدلالة المرجحة للمرأة / الوطن ؛ فكلها مفردات تنمتى لمعجم الثورة .
لكن القصيدة فى نهايتها تشاكس القارئ ؛ إذ تضع العلاقة بالمرأة فى صورة غزلية هى أقرب للمرأة المحبوبة :
ولا يعنى ذلك خللا فى الرؤية ؛ فللعاشق أن يقيم علاقته بمحبوبته وفق الكيفية التى يراها والحالة التى يستشعرها .
– وإذا كانت قصيدة ” زينب “ – كما سبق – تستدعى شخصية أنثوية تراثية تقيمها رمزا للوطن الثائر فإن قصيدة مثل ” حين أومأت لى “ تحدث بين المرأة والوطن تجاورا لا تمازجا أو تماهيا ؛ فالقصيدة تضعنا امام ذاتين لكل منهما حضوره المستقل ؛ المحبوبة – والوطن المشار إليه إشارة عارضة لكنها كفيلة باستحضار دلالات مسكوت عنها ، وذلك فى قوله “البلد اللافكاك ”
والقصيدة نموذج بديع لمعالجة غنية شاعرية لقصة حب مكررة ويومية ، إذ نشهد من مثيلاتها ما لا يحصى . لكن التفاصيل البسيطة والمجانية مسكوت عنها فى النص متروكة للقارئ كى يستدعيها لتحلق بنا القصيدة فى جماليتها الشعرية .
فإجمالا نحن امام حالة من حالات الحب المهدد بالانهيار ، فهناك العاشق المكبل بالخوف فى مواجهة أم محبوبته ، وهناك المحبوبة التى نفهم من النص أنها بقدر ما تبادله عشقا بعشق فتومئ له فإنها تغيب عنه ، وهناك الأم – أم المحبوبة – التى ترى العاشق فتى باهتا ( فى إشارة مفتوحة تتيح لنا أن نضع احتمالات عدة تنتمى لما هو معتاد وبسيط فى الحياة ، منها أنه أى العاشق كأى شاب لا يستطيع أن يتحمل نفقات الزواج ، أو ربما لأنه شاعر ، والشعراء كما يقول الشاعر البولاقى فى موضع مشابه : ” ربما ضحكت وقالت : شاعر
وإن كان النص يشير إلى أن مشكلة العاشق تكمن فى تررده وخوفه من محادثة الأم ) وهناك – رابعا – الجواسيس المحيطون بالمحبوبة الراغبون فى انتزاعها منه ، وهناك – أخيرا – البلد اللافكاك . ويكفى أن تحاور أى شاب فى مجتمعنا اغتيلت أحلامه ليشرح لك معنى الوطن اللافكاك والذى إن لاحت له فرصة لمغادرته لفعل ، وفى هذا الجو المشحون بالإحباط يرى العاشق كل الموجودات متآمرة عليه ، إذ تحول بينه وبين محبوبته حتى أشجار الفيكس :
لكن النص فى نهايته يحدث نوعا من التصالح بين الشاعر وذاته المحبطة الساخطة ، إذ ينصحه ( متعَب ) بأن يستعيد هواها ، وأن يذود الجواسيس عن قلبها والنوافذ وأن يحب البلاد التى لا فكاك ، لقد لقنه حينها سورة وعلم ؛ سورة العشق وعلم الوطن.
* المرأة والشعر صنوان فى الديوان ، وقد ألمحنا إلى ذلك عند الحديث عن محور ( الشعر ) :
– فوظيفة الشعر الأولى هى التطريب ( قصيدة ” وشوا به للحنين ” )
– وحين يعدد ما يحتاج لإنجازه قبل أن يداهمه الوقت يذكر المرأة أولا ثم يتبعها بالشعر ( قصيدة ” عصفور وهذا قفصى ” )
– وحين يذكر ما سيحتاج إليه فى رحلته بعيدا عن الخوف يذكر الشعر ثانيا ثم يتبعه بالحب بعد ذلك ( قصيدة ” على باب غرفتك المستعارة ” ) .
* كما أن ما ذكرناه عن قصائد ” السيدة ” ، ” فاطمة ” ، ” زينب “ وهى نماذج نسائية مستدعاة من التراث جدير بأن ينظر إليه هنا فى محور المرأة .